أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
المقدمة 29
تهذيب اللغة
حين عاب على الليث بالقراءات فقال : ( قال الليث : ومن قرأ : ( وعبد الطاغوت ) فمعناه صار الطاغوت يعبد ، كما يقال : فقه الرجل وظرف . قلت : غلط الليث في القراءة والتفسير . ما قرأ أحد من قُرَّاء الأمصار وغيرهم ( وعبد الطاغوت ) برفع الطاغوت ، إنما قرأ حمزة : ( وعبد الطاغوت ) وهي مهجورة أيضا . قال الليث : ويقال للمشركين : هم عبدة الطاغوت . ويقال للمسلمين : عباد اللَّه يعبدون اللَّه . وذكر الليث أيضا قراءة أخرى ما قرأ بها أحد وهي ( وعابدوا الطاغوت ) جماعة . وكان رحمه اللَّه قليل المعرفة بالقراءات . وكان نوله ألّا يحكي القراءات الشاذّة ، وهو لا يحفظها والقارئ إذا قرأ بها جاهل وهذا دليل على أن إضافته كتابه إلى الخليل بن أحمد غير صحيح ، لأن الخليل كان أعقل وأورع . من أن يسمّي مثل هذه الحروف قراءات في القرآن ، ولا تكون محفوظة لقارىء مشهور من قرّاء الأمصار ، ودليل على أن الليث كان مغفّلا ونسأل اللَّه التوفيق للصواب . وقال الليث : يقال أعبَدني فلان فلانا أي ملّكني إيّاه . قلت : والمعروف عند أهل اللغة : أعبدت فلانا أي استعبدته . ولست أنكر جواز ما ذكره الليث إن صحّ لثقة من الأئمة ، فإن السماع في اللغات أولى بنا من القول بالحَدْس والظنّ وابتداع قياسات لا تستمرّ ولا تطّرد ) . ومما جاء في مادة ( غ ت ت ) في حديث : « الحوض يغت فيه ميزابان مدادهما من الجنة » ، - قال الأزهري - : ( وهكذا : سمعت من محمد بن إسحاق ، بضم الغين ، ومعنى يغت : يجري جريا له خرير وصوت . وقيل : يغط ، قال : ولا أدري ممن حفظ هذا التفسير ، ولو كان كما قال لقيل : يغت ويغط ، بكسر الغين . ومعنى يغت ( بالضم ) يتابع الدفق في الحوض لا ينقطع مأخوذ من غت الشارب الماء جرعا بعد جرع ونفسا بعد نفس من غير إبانة الإناء عن فيه ) . ومن دقة الأزهري في الشرح والتوضيح أنه يفيض في بيان الدخيل والمعرب ، وأحيانا يحدد اللهجات وأمكنتها . ومما يدل على رسوخ قدمه في البحث اللغوي ربطه القراءات بمعاني الكلمات اللغوية ، وتمييزه بذلك بين الصحيح منها والمردود . فمن هذا القبيل ما جاء في مادة « خ ط أ » : ( نقل بعضهم قراءة بهمز الخطوات ، فقال : ( خطؤات الشيطان ) من الخطيئة وهي المأثم ) .